عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

238

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

موائد الطعام من أنواع الشراب والسماح به أحيانا وابعاده عنها في بعض الأحيان . الطبقة الكادحة وافتقارها للطعام : لقد كانت طبقة الخلفاء والأغنياء يعبثون وينفقون ويلهون ويشربون ويطعمون والشعب يكدح ويشقى ويسيل عرقه مدرارا ويتجرع غصص البؤس والحرمان . كانت في هذا المجتمع طبقة مغمورة هي الطبقة العامة المحرومة التي اعتصرها البذخ وعاشت على شظف العيش لينعم أمراء البيت العباسي الذين بلغوا هم وأبناؤهم نحو ثلاثين ألفا لعهد المأمون « 1 » . وطبيعي أن يعم البؤس والشقاء من جانب ، بينما يعم النعيم والترف من جانب آخر . فالجمهور والطبقة الشعبية تقاسي أنواع الضنك والضيق ، ليس الرقيق منهم فحسب بل جمهور الناس من الأحرار فكأنهم كانوا جمعيا أرقاء في هذا النظام الذي هيئت فيه أسباب النعيم ووسائل الترف لأقلية محدودة استأثرت لنفسها بطيبات الأرض والرزق وزينة الحياة . وهكذا تماوجت في مدينة بغداد طبقتان اجتماعيتان متفاوتتان : طبقة أرباب الأموال الذين أعجبتهم بغداد وتعلقوا بها لما فيها من عيش رغد وهناءة ونعيم وغذاء هنيء مريء : أعاينت في طول الأرض والعرض * كبغداد دارا إنها جنة الأرض صفا العيش في بغداد واخضر عوده * وعيش سواها غير صاف ولا غض تطول بها الأعمار ، إن غذاءها * مريء وبعض الأرض أمرأ من بعض « 2 » وأما الفقراء وذوو الحاجة فقد ضاقت عليهم بغداد على رحبها ولم يستطيعوا العيش فيها وملوا المقام بها : بغداد دار طيبها آخذ * نسيمها مني بأنفاسي تصلح للموسر لا لامرىء * يبيت في فقر وافلاس لو حلها قارون رب الغنى * أصبح ذا همّ ووسواس

--> ( 1 ) مقدمة ابن خلدون : ص 123 . ( 2 ) تاريخ بغداد : ج 1 - ص 68 .